علي بن أحمد السخاوي

236

تحفة الأحباب وبغية الطلاب

حتى دخلت أنطاكية فرآني بعض اخوانى وعلم أنى أريد الثغر وكنت يومئذ أحتشم من اللّه أن آوى إلى وراء سور فدفع لي سيفا وترسا وحربة للسبيل فدخلت الثغر خيفة من العدو فجعلت مقامي في غابة أكون فيها بالنهار وأخرج إلى شاطىء البحر بالليل فأغرز الحربة على الساحل وأسند الترس إليها محرابا وأتقلد بسيفي وأصلى إلى الغداة فإذا صليت الفجر عدت إلى الغابة فكنت فيها نهارى فنظرت في بعض الأيام إلى شجرة بطم قد بلغ بعضها وقد وقع على بعضه الندى وهو يبرق فاستحسنته ونسيت عهدي مع اللّه تعالى وقسمي أن لا أمد يدي إلى شئ تنبته الأرض فمددت يدي إلى الشجرة فقطعت منها عنقودا وجعلت بعضه في فمي ثم تذكرت العهد ورميت ما كان في يدي ولفظت ما كان في فمي ولكن بعد ما جاءت المحنة فرميت الحربة والترس وجلست في موضعي ويدي على رأسي فما استقر بي الجلوس حتى دار بي فارسان ورجال كثيرة وقالوا لي قم وساقونى إلى الساحل فإذا أمير وحوله عسكر وجماعة من السودان بين يديه كانوا يقطعون الطريق في ذلك المكان وقد أمسكهم ولما مرت الخيل بالموضع الذي كنت فيه فوجدونى أسود ومعي سيف وترس وحربة فحسبونى من السودان فقالوا لي من أنت ؟ فقلت عبد من عبيد اللّه فقالوا للسودان تعرفون هذا ؟ قالوا لا ، فقال الأمير وكان تركيا بل هو رئيسكم وأنتم تفدونه بأنفسكم فقدموهم وجعلوا يقطعون أيديهم وأرجلهم حتى لم يبق إلا أنا فقدمونى ثم قالوا مد يدك فمددتها فقطعت ثم أرادوا أن يقطعوا رجلي فرفعت رأسي إلى السماء وقلت إلهي يدي جنت فما بال رجلي ! وإذا بفارس وقف على الحلقة ونظر إلى وألقى نفسه على وصاح ، فقيل له في ذلك فقال هذا أبو الخير المناجى ، فصاح الأمير ومن حوله ورمى الأمير بنفسه على يدي